العز بن عبد السلام

345

شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال ( ويليه الشجرة في الوعظ )

ومنها ما هو : مالح ، وهو : ماء العين بحفظه شحمة العين . ومنها ما هو : مر ، وهو : ماء الأذن لصيانة الأذن من حيوان ، ودبيب يصل إليها ، فيقتله ذلك الماء . ثم في أرض جسده ما ينبت كالأرض الجرز ، والأرض السبخة التي لا تنبت ، ويستحيل النبت فيها . ثم لما كان في الأرض بحار عظيمة ، تتفرع منها أنهار وسواق ، لنفع الناس بها ، كذلك في أرض جسده عروق غلاظ ، كالوتين الذي يبث الدم ، وتستمد العروق منه ، إلى سائر الجسد . ثم العالم العلوي ، وهو عالم السماء : جعل اللّه فيه شمسا كالسراج ، يستضيء به أهل الأرض ، كذلك جعلت الروح في الجسد : يستضيء بها الجسد . فلو غابت بالموت ، لأظلم الجسد كظلمة الأرض ، إذا غابت عنها الشمس . ثم جعل العقل بمنزلة القمر : يستنير في فلك السماء ، تارة يزيد وتارة ينقص ، فابتداؤه صغير ، وهو هلال كابتداء عقل الصغير في صغره ، ثم يزيد كالزيادة القمر ليلة تمامه ثم يبدو بالنقص ، فهو بمنزلة بلوغ الأجل إلى تمام الأربعين ، ثم يعود في النقص في تركيبه وقوته . ثم جعل في السماء كواكب خمسا ، وهي الخمس الْجَوارِ الْكُنَّسِ [ التكوير : 16 ] ، وهي : بمنزلة الحواس الخمس ، وهي : الذوق ، والشم ، واللمس ، والسمع ، والبصر . ثم جعل في عالم السماء عرشا وكرسيا . فالعرش أوجده وجعل وجهة قلوب عباده إليه ، ومحل رفع الأيدي إليه ، لا محلا لذاته ، ولا متجانسا لصفاته ، لأن الرحمن تعالى اسمه : الاستواء نعته وصفته ، ونعته وصفته متصلة بذاته ، والعرش خلق من خلقه ، لا متصل به ولا ملامس له ، ولا محمول عليه ، ولا مفتقر إليه . وأما الكرسيّ فهو : وعاء أسراره ، وكنانة أنواره ومستودع ما في دائرة وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ البقرة : 255 ] ، فجعل الصدر بمنزلة الكرسي ؛ لأن فيه